تابعنا

Follow on Twitter    Follow on Facebook    YouTube Channel    Vimeo Channel    SoundCloud Channel    iPhone App    iPhone App

مَعرض الشِقَاق لبنجي بوياجيان

جانب من المعروضات. الصورة من أرشيف الكاتبة جانب من المعروضات. الصورة من أرشيف الكاتبة

مَعرض "الشِقَاق" لبنجي بوياجيان:

زَخارِف تحتفي بالحرفةِ والأخطاء وبصمات تركها عابرون في تاريخِ المكان

يقال بأن الأخطاء تُقترف عمدا في السجاد العجمي، لأن النسّاجين يؤمنون بأن "الكمال لله وحده"، وأن الأخطاء بمثابة شقوق تدخل منها الروح لحماية القطعة. كثيراً ما تأملت الأشكال والزخارف التي تزين السجاد باحثة عن أخطاء تؤكد لي إذا ما كانت القطعة يدوية صنعتها أياد بشرية، أم آلية الصنع مؤتمتة لا أخطاء فيها ولا تمتلك روحاً لحظة اكتشاف الأخطاء دائما تسرني وكأنني أجد كنزا مخبأً بين الزخارف الملونة.

لذا أنظر مليا إلى البلاط المزخرف الذي رصف أرضية الغرفة ذات الواجهات الزجاجية الكبيرة التي جلسنا أنا وبنجي بوياجيان نتحدث فيها عن معرضه "الشِقَاق" (مؤسسة المعمل وغاليري أناديل، القدس). ألحظ عيون بوياجيان الخبيرة، من على الطرف المقابل للطاولة، تبحثان في نسق وتصميم البلاط الذي
يأخذ شكل سجادة فاخرة، وهو أمر لا بد وأنه اعتاد فعله خلال السنوات الست الماضية.

"اسم البلاط المزخرف وحده مدعاة للتحقيق والبحث"، يقول وعيناه لا تفارقان أرضية الغرفة "هنا يدعونه البلاط البلدي (نسبة إلى فلسطين)، او البلاط الشامي (نسبة إلى سوريا). وفي العالم يوصف بأنه البلاط المغربي (موريش تايلز)، أو بلاط الأرابيسك (نسبة إلى الزخارف العربية)، أو بلاط فينيسيا (نسبة إلى منطقة في إيطاليا)، او بلاط أسباني أو فرنسي.. الخ. هذه التسميات لها جذور في قصة البلاط المزخرف وتاريخه المرتبط في منطقة حوض المتوسط تحديداً."

درس بوياجيان الهندسة المعمارية في باريس، وعاد إلى فلسطين لا ليعمل في أحد مكاتب الهندسة المسؤولة عن الغابات الاسمنتية العشوائية التي تظهر في كل مكان، بل ليتخذ موقعا في الفن يتيح له مساحة من النقد والتأمل. بين القدس وبيت لحم. نشأ لوالد فلسطيني من أصل أرمني يعمل دليلاً سياحياً، وكطفل لازم والده ومضى معه في أزقة القدس وبيت لحم وحولهما، وهناك طُبع في ذاكرته المشهد وزوايا المكان بكل الرواسب التي علقت بها من حضارات متعاقبة على مر التاريخ.

يروي بوياجيان كيف شدته مشاهد البلاط المزخرف المتآكل في البيوت الفلسطينية التقليدية التي يعود بناؤها إلى أوائل القرن العشرين، خلال جولات شارك فيها بتنظيم من مركز رواق للمعمار الشعبي إلى مجموعة من المباني التقليدية القديمة: "وجدت رابطا مثيراً بين تآكل البلاط الجميل المزخرف، وتعرضه للخراب وتعرض الحرفية إلى التآكل في عصر طغى فيه الإنتاج الآلي على الصناعات اليدوية. لم يعد في فلسطين اليوم سوى مصنعين لهذا النوع من البلاط ولا يوجد في الحرفة أي تجديد أو تطوير. أما البيوت التقليدية فكثير منها يقف بانتظار الهدم لإفساح مساحات لعمارات جديدة متماثلة تنتمي الى عصر تحكمه الأتمتة والانتاج الآلي"، مضيفاً بانفعال " أصبحنا نرى الأشكال والتصاميم التي تمثل في مجملها نتاج الفن الزخرفي في المنطقة على أغلفة منتجات من كل نوع حتى على أغلفة محارم الحمامات. أرى في ذلك إساءة لحرفيي الماضي وللعملية التراكمية من التأَثُر والتأثير في الفن الزخرفي، وللتاريخ الطويل الذي مرت فيه صناعة البلاط، صناعة تذكرني بتاريخ فلسطين وتعرضها لتغييرات متكررة يحدثها العابرون في تاريخ المكان. "

بدأ بنجي بنبش قصة البلاط وزخارفه، وبَحَثَ معمقا في التاريخ، وفي ذهنه مشروع كان عبارة عن محاولة لإعادة الاعتبار لهذا التاريخ الطويل الغني في عصر رقمي وفي سياق جديد:

 

مصانع البلاط الأولى والأخيرة

أحد أوائل مصانع البلاط المزخرف في فلسطين تأسس عام 1900 على يد خليل قسيسية في باب الجديد في البلدة القديمة في القدس (ويحتضن الآن مؤسسة المعمل، حيث ينظم بنجي بوياجيان معرضه "الشِقَاق"). إنتاج المصنع من البلاط المزخرف بلغ ذروته ما بين عامي 1935 و1940، حيث كان يتم استيراد الاسمنت الملون من ايطاليا، وينتج البلاط بطريقة يدوية تقليدية ويُسوق في القدس وفي أنحاء مختلفة من فلسطين والأردن. استمر المصنع بعد احتلال المدينة في العام 1967 رغم ازدياد المنافسة مع مصانع البلاط المؤتمتة، لكن في عام 1973 اضطر للإغلاق عندما منعت بلدية القدس الاسرائيلية تواجد مصانع في البلدة القديمة.

وفي نابلس، يقع اليوم أحد مصنعي البلاط التقليدي الملون الأخيرين في فلسطين، ويعرف بمصنع "أصلان". ويقال إن المصنع، أنشىء في يافا عام 1925 ومن ثم انتقل إلى نابلس إثر النكبة عام 1948. ووفقا لأصحاب المصنع الذين توارثوا المهنة أباً عن جد، فإن أصل صناعة البلاط فرنسية، وأن الفرنسيين جلبوه إلى بلاد الشام. أما قوالب الحديد المفرغ التي تصب فيها الألوان (الشبلونات) المستخدمة أباً عن جد دون تغيير في الأشكال إلا ما ندر، فيقولون بأن بعضها ذو تصميم مغربي.

وظهر البلاط المزخرف في أوروبا وتحديدا في أسبانيا، قبل خمسين عاما من تأسيس مصانع البلاط الأولى في فلسطين، وانتشر على نطاق واسع عندما تم التوصل إلى تقنية المكبس الهيدرولي التي سهلت إنتاج البلاط باستخدام الاسمنت الملون، بحيث أصبح بالإمكان تلوين البلاط مرة واحدة، وتجفيفه في الهواء الطلق دون الحاجة إلى إدخاله عدة مرات في الأفران كما الحال في العملية الطويلة التي تحتاجها صناعة بلاط السيراميك الملون. أما الألوان الأكثر استخداما فكانت ظلال الاحمر الخمري والأخضر والزهري والأصفر والبني والرمادي بالاضافة إلى الأبيض والأسود، ورغم ذلك فقد تم استخدام ألوان اخرى بشكل أقل مثل الأحمر والأزرق والبرتقالي والبنفسجي.

العمل على السطح

رغم غوص بوياجيان في عمق تاريخ البلاط المزخرف إلا اأنه قرر العمل على السطح وتناول الزخارف التي تغطي سطح البلاط بادئا برسم عشرات الرسومات من الزخارف المعروفة. وانغمس بوياجيان ساعات طويلة في استقصاء كيفية وصول الزخارف بشكلها النهائي إلى سطح البلاط كما بحث في نظريات الألوان والفن البصري الضوئي.

ولكن بوياجيان ليس آلة وغير منزه عن الأخطاء، ومن غير قصد أخذت الأخطاء تظهر في زخارفه. "قررت أن أكرس الاخطاء التي أرتكبها بدل من التخلص منها، فَرُحْتُ أسجلها ومن ثم أعيد انتاج الرسمة مرة أخرى مكرراً الأخطاء في الرسمة الجديدة". أما النتيجة فكانت لوحة جديدة بأخطاء سابقة وأخطاء أخرى طازجة. أخذ بوياجيان يكرر العملية ثالثا ورابعا منتجا سلسلة من الأعمال تبدأ الأخطاء في أولها ولا تنتهي في آخرها، تماما مثل بعض الأشكال الزخرفية التي تتكرر بشكل لانهائي. الأخطاء المتعاقبة في كل لوحة أخذت تُغير مسار الزخارف منتجة أشكالاً زخرفية جديدة غير متوقعة. أنتج بوياجيان عشرات الرسومات خلال الأعوام الستة الماضية، وصولا إلى عدد من المجموعات تحتوي كل منها ستة أعمال متسلسلة إضافة إلى مجموعات ثنائية.

ولمزيد من الاحتفاء بالحرفة وبالأخطاء التي تنتج عن العمل اليدوي، أنجز بوياجيان رسوماته بالألوان المائية الشفافة ذات الانسيابية والرقة العالية. خطوط أقلامه تظهر واضحة للعيان من تحت الألوان. يقول "من ميزات الألوان المائية أنه من غير الممكن إخفاء الاخطاء فيها. فإن ارتكبت خطأ يكون من الصعب تصحيحه، وهذا بالضبط ما أردته."

وباعتماده على يديه وتكريسه للأخطاء، كحائكي السجاد العجمي، اتخذ بوياجيان موقع الحرفي، وكانت تلك طريقته الخاصة لرد الاعتبار للحرفة المندثرة في القرن الواحد والعشرين مذكرا بجانبها الفني وبفنانيها.

طبقات من الزخارف

في الماضي، وظفت كثير من مصانع البلاط مصممين ضمن أطقمها الحرفية، وفي بعض الأحيان كانت تطلب من فنانين معروفين بأن يقوموا بتصميم البلاط. ونفذت التصاميم لتحمل زخارفا تشبه إلى حد ما تصاميم السجاد: قطعة زخرفية في الوسط مؤطرة ببلاط يحمل في زواياه تصاميم مشابهة. ولإبراز التصميم يحاط به إطار خارجي من البلاط غير المزخرف بألوان غير بارزة. واستخدم البلاط في الغرف الرئيسية التي يَعُمّها الزوار، مثل مداخل البيوت وغرف الاستقبال والمعيشة وغرف الطعام، تماما كالغرفة التي جلسنا فيها أنا وبوياجيان في مركز خليل السكاكيني الثقافي في رام الله.

كثير من الأشكال الهندسية، والورود والنباتات تم توظيفها في الزخارف وفي أحيان قليلة تم استخدام الحيوانات أو الأشخاص كأنماط زخرفية متكررة. وأحد أهم المؤثرات في فن زخرفة البلاط كان الفن الزخرفي الإسلامي الذي قام على مر السنين بنسج طبقات وطبقات من الزخارف والتصميمات من الحضارات القديمة فوق بعضها البعض، وتطويرها وتقديمها ضمن قوالب جديدة تغيرت مع مرور الزمن ومن منطقة جغرافية الى أخرى متأثرة بالزخارف المحلية أيضاً.

الشِقَاق

الزهر الأزرق، النزوة، الملحمة، مأزق، التقحيط، الهاوية. أتأمل لوحات بوياجيان في كل سلسلة واحاول معرفة أين بدأ الخطأ وكيف تسلسل وكيف استمر في اللوحة اللاحقة واللوحات التي تليها. بعض الزخارف مألوفة مثل تلك التي في سلسلة "نزوة" التي تأخذ شكل درج مربع العتبات، وتتدرج الألوان رويدا رويدا حتى تُحدث أشكالاً لانهائية من المربعات المتداخلة مشكلة طبقات من الصعب الفصل فيما بينها او حتى تتبع اتجاهاتها، كقصة البلاط.

وتُذَكِرُ سِلسلتا “الزهر الأزرق" و"التقحيط" بالبلاط المتآكل في المباني القديمة، الذي أوحى لبوياجيان بمشروعه هذا، حيث تبدأ بأنماط زخرفية مكررة تستحوذ على سطح اللوحة، تختفي تدريجيا تاركة آثاراً لزخارف خلفها. وفي سلسلة الهاوية، بزخارفها التي تنعكس من الداخل إلى الخارج ومن الخارج إلى الداخل، دوامة تفغر فاهها موشكة على ابتلاع المُشاهد إلى عوالم داخلية مخفية، قبل أن تلفظه من جديد إلى الخارج في اللوحة اللاحقة لتعيد ابتلاعه مرة أخرى في اللوحة التي تليها. التكرار في الأشكال والألوان غير مقدس لدى بوياجيان، وتكريس الأخطاء يكفل إحداث هذا الأثر، فالأشكال خارجة عن الانتظام الرتيب المتوقع، رغم احتواء معظمها على أنماط لانهائية تزداد تشابكا وتعقيدا او تفككا وتآكلا.
لوحة تلو الأخرى يخرج بوياجيان بزخارف جديدة، أساسها الأخطاء او الشقوق مفسحاً الفرصة لدخول الروح ولبعث حياة في رسومات زخرفية منسوجة من عدة طبقات تحتفي بتراكم طويل لتاريخ حرفة ولتاريخ مكان احتضنها لعقود وعقود.